في العام الماضي ، في مثل هذا الوقت بالضبط ، في شهر رمضان المبارك ؛ انهالت على المعوزين والمحتاجين ، وحتى غير المحتاجين صنوف وأنواع من المساعدات والعطايا ، سواء كانت نقدية أو عينية ، كانت على شكل مكيفات أو ثلاجات أو غسالات أو أفران أو تلفزيونات أو أكياس رز وسكر أو ما شابهها من إعانات وصلت إلى حدّ ما يشبه الإسراف أو الإنفاق بلا حساب أو حدود !
أعمال البر والخير في رمضان العام الماضي التي أقصدها كان أبطالها بعض المترشحين للانتخابات الذين لا يظهرون علينا إلا كل أربع سنوات أو الجدد منهم الذين لم يكن معروفاً عنهم في سابق حياتهم ومجاورتهم للناس اهتماماً أو التفاتاً إلى الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل بمناطقهم ، وليس مساعدتهم والعطف عليهم في وارد فكرهم ورقّة قلوبهم ورهافة حسّهم . لكنهم عندما قرروا ترشيح أنفسهم في الانتخابات ، رأوا أن يدخلوا إلى الناس ويستقطبونهم بلباس أهل الخير والإحسان ، فأظهروا عطفاً غير مسبوق على أصحاب الحاجة والعوز وتراكضوا وتنافسوا من أجل الإحسان إليهم والإغداق عليهم ومساعدتهم ، وذلك استغلالاً لحاجات الناس وعوزهم وصعوبة ظروفهم المعيشية . وبالتالي شراء أصواتهم وذممهم واسترخاصها بهذه الرشاوى التي كانوا يسمونها مساعدات بينما هي ذاتها الرشاوى التي وردت في الحديث الشريف المعروف : ” لَعَنَ رسولُ اللَّه صلَى اللَّه عليه وسلَّم الرَّاشِي وَالْمُرْتَشي والرائش “.
ولم يلجأ رجال البر والإحسان الانتخابي إلى تقديم تلك المساعدات ( الرشاوى ) بهذا البذخ والسّرف إلاّ لتغطية نقص أو سمعة سيئة أو عيب في شخصياتهم وقدراتهم رأوا أنهم لايمكن أن يستقطبوا الناخبين أو يقنعونهم بكفاءاتهم وإمكانياتهم ومؤهلاتهم وصلاحيتهم إلاّ بالنصب والاحتيال على الناخبين بتقديم رشاوى يسمونها لهم مساعدات ويصرون على ذلك بينما هي لاعلاقة لها بالمساعدات الخيرية والإنسانية النبيلة والشريفة والبريئة من أية أغراض لم تكن خافية آنذاك إلا على البسطاء والغافلين الذين اكتشفوا بعد الأحداث المؤسفة التي مرّت على وطننا العزيز أن ممثليهم النيابيين أو البلديين لا يجب أن يكونوا فقط مقدّمي خدمات أو موزعي مكيفات وثلاجات وأن لهذه المجالس أدوار هامة أخرى ومهام حساسة ومصيرية يستلزم عدم اختطافها وارتهانها لصالح رجال البر والخير الانتخابي الذين توقفت مساعداتهم وبذخهم على الفقراء والمحتاجين والمعوزين في شهر رمضان هذا العام لا لشيء سوى أن مساعداتهم وإعاناتهم في العام الماضي إنما كانت رشاوى انتخابية غير قابلة للصرف إلا كل أربع سنوات ..
سانحة :
أعتقد أن الوعي الجمعي لدى الناس ، بالذات عند أهل السنة والجماعة قد فاق وصحا وانتفض بعد الأحداث المؤلمة الأخيرة ، وأدرك أن صوته الانتخابي نفيس جداً وأن إنسانيته ومواطنته وخياراته أغلى من أن تُباع وتُشترى بحفنة دنانير أو أن يتم استرخاصها بمكيف أو ثلاجة أو غسالة أو … إلخ . لقد صار المواطن أكثر وعياً وحرصاً على أن المناصب والوظائف العامة في الدولة من مثل عضوية مجلسي النواب والشورى والمجالس البلدية لا يصلح لها إلاّ قول المولى عز وجل في قرآنه العظيم ” إِنَّ خيْرَ مَنِ اسْتَأْجرْتَ القَوِيُّ الأَمِين “.