المقالات

لم أكن أعلم يا أمي

لم أكن أعلم يا أمي..أن تلك اللحظات العابرة في سيارة الإسعاف كانت تُكتب كآخر مرة،وليست كالمرّات السابقة.

لم أكن أعلم يا أمي .. أن تلك الرائحة كانت رائحة الوداع الأخير.كنت أعلم أنكِ تتألمين،أن المرض أنهكك،كنت أظن أن المرض سيمرّ،أن الألم سيهدأ، وأنكِ ستعودين كما كنتِ.كان قلبي يرفض التصديق. كنت أُخدّره  بالأمل،أقول إنها ستمرّ، ككلّ الأزمات التي مررنا بها.لكن هذه المرة لم تكن أزمة،كانت النهاية التي لم أستعد لها،ولم أحتملها،وكان الفراق أسرع وأقسى مما تخيلت.

لم أكن أعلم يا أمي.. أنني في ذلك اليوم سأحملكِ بيدي إلى مثواكِ الأخير، وأنني سأضعكِ في القبر بيدي المرتجفتين..وأترككِ هناك وحدكِ،وأعود بدونك.

حين وضعتكِ في القبر يا أمي؛شعرت وكأنني أدفن قلبي معكِ. كأن جزءًا مني انطفأ هناك، تحت التراب،ولن يعود أبدًا. تركتكِ وأنا أعلم أنني لن أراكِ بعدها،ولن أسمع صوتكِ، ولن أشعر بدفء وجودك مرة أخرى.

منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء. لم تعد الحياة كما كانت أصبحت أيامًا ثقيلة أمشيها بلا روح، بلا طعم، بلا لون. كل شيء حولي صار فارغًا، كفراغي بعدكِ.

رحيلكِ يا أمي لم يكن مجرّد فراق،كان كسكينٍ شقّ صدري،وغرس وجعه في أعماق قلبي.منذ تلك اللحظة، لم يعد شيء كما كان،تغيرت حياتي كلها، وكأنها انطفأت دفعة واحدة.

أصبحت أعيش أيامي فقط لأنني مجبرعلى العيش،وكأن الحياة فقدت معناها برحيلكِ. دموعي لا تجف،تنساب كل يوم على قبرك، تحرق وجهي وقلبي معًا. وهذا الألم وهذا الثقل الذي يسكن صدري،لا أعرف له نهاية.

أحاول أن أتماسك، لكن داخلي ينهار كل يوم من جديد. وفي أعماقي يقين مؤلم أن هذا الألم لن يزول، وأن غيابكِ سيبقى جرحًا مفتوحًا ما حييت.

اشتقت لكِ يا أمي.. اشتقت لكل تفصيلة فيكِ،لكل لحظة كانت تجمعنا. اشتقت لحنانكِ،لسؤالك عنيّ،لدعائك لي الذي كان يحميني من قسوة الدنيا.

رحمكِ الله يا أمي…

يا من دفنتها بيدي، ودفنت معها قلبي.. يا وجعي الذي لا ينتهي.

أضف تعليق