حين بدأت رحلتي مع مبادرة «من ذاكرة الأحياء» كنت أظن أن رسالتها لا تتجاوز توثيق حياة رجال ونساء خدموا وطنهم،وأنها محاولة نبيلة لحفظ سيرهم قبل أن يغيّبهم الموت، حتى يبقى ما قدموه شاهدًا للأجيال.لكنني، مع كل لقاء جديد، كنت أكتشف أنني لم أكن أوثق تاريخًا بقدر ما كنت أتعلم الحياة.
فالسنوات التي عاشها هؤلاء الروّاد لم تكن مجرد محطات زمنية،وإنما كانت حكايات من الصبر،والإصرار،والتضحية،والإيمان. خلف كل منصب قصة،وخلف كل إنجاز عثرات لم يرها الناس، وخلف كل نجاح ليالٍ طويلة من الكفاح والعمل بصمت.أدركت حينها أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ليست فقط في تسجيل الذكريات،بل في نقل الحكمة،وإحياء القيم، وتعريف الأجيال بحجم التضحيات التي صنع بها الآباء والأجداد حاضر هذا الوطن.
ومن أكثر اللقاءات التي بقيت راسخة في ذاكرتي؛لقائي مع الشاعر علي عبدالله خليفه رحمه الله ،لم يكن مجرد حوار تاريخي أوإعلامي، بل كان درسًا إنسانيًا عميقًا، ما زلت استحضر تفاصيله كلما تذكرت صاحبه.
لقد استوقفني في هذا اللقاء ثلاث وقفات لن أنساها:أما الأولى، فكانت ابتسامته ؛كانت ابتسامة لا تعرف الغياب. لم أرَ على وجهه أثرًا للألم، ولم أسمع في صوته نبرة شكوى، ولم أشعر للحظة أن الرجل الذي يجلس أمامي يحمل في جسده مرضًا عضالاً أنهكه لسنوات. كان حاضرًا بكل بهجته، يتحدث بمحبة،ويستقبل الحديث بقلب مطمئن، حتى خُيّل إليّ أن العمر ما زال يفتح له أبوابه رغم تجاوزه الثمانين من عمره.
ثم جاء خبر وفاته بعد أيام قليلة ..وحين علمت أنه كان يصارع مرض السرطان منذ سنوات، وقفت طويلًا أمام تلك الابتسامة. كيف استطاع أن يخفي كل ذلك الوجع؟ وكيف استطاع المرض أن ينال من جسده، بينما بقيت روحه مشرقة بهذا القدر من السكينة؟ أدركت يومها أن المؤمن لا يُقاس بما يخفيه جسده من ألم، وإنما بما يظهره قلبه من رضا.
أما الوقفة الثانية، فكانت حين تطرق الحديث إلى القرآن الكريم، وبالتحديد سورة الرحمن. تغيرت نبرة صوته،خنقته عبْرة ودمعة،وارتسم على ملامحه تأثر عميق وهو يستعيد سنوات طفولته، ويحدثنا عن حفظه للقرآن الكريم، وكيف كانت آياته أول مدرسة صاغت لغته، وأرهفت إحساسه، وفتحت أمامه أبواب الشعر.
في تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عن الحفظ وحده، بل كان يحدثنا عن أثر القرآن في صناعة الإنسان، وكيف يمكن لآيات الله أن تنبت في القلب جمالًا يثمر أدبًا، وحكمة، وخلقًا.
أما الوقفة الثالثة، فجاءت في ختام اللقاء،وكانت أكثرها رسوخًا في نفسي. قال بهدوء الواثق: إن الحياة فيها الحلو والمر،وإنه راضٍ بكل ما عاشه فيها،ولو قُدّر له أن يبدأ حياته من جديد لاختار أن يعيشها كما عاشها.
قالها؛ثم مضى إلى حديث آخر،دون أن يذكر مرضه، ودون أن يجعل من ألمه قصة تُروى، أو وسيلة يستجلب بها التعاطف.كانت تلك الكلمات أكبر من أن تكون مجرّد عبارة عابرة. كانت خلاصة عمر كامل،ورسالة رجل عرف الله، فاطمأن قلبه، ورضي بقضائه، واستقبل أيامه كلها -حلوها ومرّها- بنفسٍ مؤمنة لا تعرف الاعتراض.
ومنذ رحيله، كلما تذكرت ذلك اللقاء، ازددت يقينًا أن أعظم ما نوثقه في مبادرتنا الوطنية «من ذاكرة الأحياء» ليس تواريخ الميلاد ، ولا المناصب والألقاب، وإنما تلك المعاني الخفية التي لاتُكتب في السير الذاتية؛ الصبر، والتضحية ،والاجتهاد ،والرضا، والوفاء، والتواضع، والإيمان.
إن الإنسان يرحل، ولكن تبقى كلماته، وتبقى أعماله ومواقفه، وتبقى الابتسامة الصادقة التي يتركها في ذاكرة من عرفوه.
سانحة :
ومن أجمل ما أسعد قلبي وسررت به أنني علمت مؤخرًا أن بعض الفضلاء اعتادوا أن يجمعوا أبناءهم وأحفادهم في مجالس الأسرة، ويشغلوا عبر شاشة التلفاز لقاءات «من ذاكرة الأحياء»، فيجلس الجميع يستمعون إلى أولئك الرواد وهم يروون حكايات أعمارهم، وكأن الزمن يعود إلى الوراء ليجلس بين أفراد الأسرة.
ما أروع أن تتحول هذه اللقاءات إلى جسور تمتد بين جيل صنع التاريخ وجيل يتهيأ لصناعته. وما أجمل أن يكون الحديث عن الوطن وأهله جزءًا من دفء البيوت، وأن تصبح الذاكرة الوطنية ضيفًا عزيزًا على (يمعات) العائلات.