راصد

عندما تنثقب القِرَب لاتلوموا قناة العالم

لا أريد أن امتدح إدارة جريدة أخبار الخليج ، فشهادتي فيهم – بالطبع – مجروحة لولا أني أرغب في بيان مقدار المصداقية المهنية التي يجري مراعاتها بين أروقة الجريدة . قبل حوالي ثلاثة أشهر من الآن وقع حادث في منطقة الصخير راح ضحيته شاب وفتاة في عمر الزهور إثر حادث اصطدام دراجتهما النارية المعروفة بالـ ( البانشي ) مع سيارة كان يقودها شخص أجنبي مخمور . حينذاك كتبت مقالاً شديداً ضد الخمر وطالبت بمنعه اعتماداً على أن المتسبب في إزهاق روح هذين الشابين كان مخموراً . لكن مقالتي تلك لم ترَ النور ولم يُسمح بنشرها . باتصالي بالأستاذ الفاضل رئيس التحرير أنور عبدالرحمن للاستفسار عن سبب وقف نشر هذا المقال أجابني ببساطته وأبوّته لنا : ” الخبر المنشور عن الحادث يا جمال يقول أن التحقيقات في ملابساته لاتزال جارية ، ولم يبين الخبر من المتسبب في الحادث بينما مقالك اتهم السائق الأجنبي بارتكاب الحادث ، وفي هذا تسرّع ، ربما يقول تقرير المرور غداً أن الشاب والفتاة هما المتسببان فيه ” صحيح أني ( زعلت ) آنذاك على منع النشر لكنني تفهمت مخاوف ومحاذير رئيس التحرير .

غير أن ما جرى عرضه وبثّه في تلفزيون البحرين مساء يوم السبت ( الأول من أمس ) عن فبركات واختلاقات جريدة الوسط عن الأحداث المؤسفة في وطننا العزيز  بعث فيني الرضا التام عن تصرّف الفاضل ( بوجبران ) أنور عبدالرحمن معي ودفعني لأسطّر في عمودي شكر خاص له ، ليس على منع نشر مقالتي المذكورة ، إنما لإحساسي بالمسؤولية المهنية التي يريد – كرئيس للتحرير – أن يلتزم بتطبيقها على عكس ( الفضيحة ) المدويّة التي بثّها التلفزيون مساء السبت الماضي وأصابت الناس الذين شاهدوها بصدمة لا أعرف كيف استطاعوا النوم ليلتها !

في غالب بلدان الدنيا ، عند الأحداث والأزمات الكبرى التي تحصل فيها وتمسّ الوطن بأجمعه ، ينبري الإعلام المحلّي الوطني – كسلطة من السطات الكبرى في المجتمع – بأدوار في غاية الحساسية والأهمية ويكون على مستوى وقدْر من المسؤولية تذوب في رسالته وأهدافه حينذاك كل الاختلافات والأهواء ويقفز فوق رغباته وأطماعه ويتخلّص من عقده ويتوجّه نحو بث رسالة تجمع ولا تفرّق ، تحافظ ولا تهدر ، تُصلح ولا تُفسد ،  تحمي ولا تفرّط ، تراقب الله وتحتكم إلى الضمير وتنزل عند الحسّ الوطني ، ولا تلجأ إلى التخريب ولا تنادي بالتحريض ولاتفبرك الأخبار ولاتختلق الأحداث ولاتؤلف الأسماء والشخصيات ولا تشوّه الروايات ، ولاتخدع القراء والجمهور ، ولا ولا ولا … مما لا يمكن التصديق بسهولة أن جريدة الوسط قد قامت به وأقدمت عليه وهي تغطّي محنة البحرين وأحداثها وفضحها تلفزيون البحرين مساء السبت !!

ليس مطلوباً الآن أن يستقيل مجلس إدارة الوسط أو أن يوجهوا اعتذاراً ما . وليس مطلوباً أو كافياً الآن أن تقوم هيئة شؤون الإعلام بتحريك الدعوى الجنائية أو أن تقوم جمعية الصحفيين برفع شكوى دولية .. فتلك أمور – كلها – تخصّ المهنة الصحفية ومن لهم علاقة بها . لكن هناك حق للمجتمع والناس ؛ كيف سيتم أخذه ؟! المجتمع أو الناس الذين كانوا يصدّقون تلك الأخبار – قبل اكتشاف أمرها – خاصّة أولئك الذين رتبوا تصرفاتهم وصاغوا مواقفهم وبنوا ردود أفعالهم على أساس صدقية تلك الأخبار وثبوتها .

هؤلاء الذين وضعوا كامل ( أو غالب ) ثقتهم فيما يقرأونه ويتابعونه من هذه الجريدة ، بل وبعضهم صارت صوته وعينه وسمعه و( القِرْبَة ) التي يعتمد عليها في حفظ واستقاء أخباره ومعلوماته وصوره عمّا يجري من أحداث قبل أن تنثَقِب مساء السبت على هذا النحو .. ماذا نقول لهم ؟ وكيف يُردّ لهم اعتبارهم ؟!

ســانحة :

إذا كان هذا حال جريدة محلية تعيش بيننا في البحرين ، وفي مجتمعنا وتنقل كل هذه الفبركات والتدليسات والاختلاقات التي تم اكتشافها عن أربعة أيام فقط من الأحداث البحرينية ( الله العالم عن بقية الأيام ) ؛ فلا تلوموا قناة العالم وأخواتها حينما تتكلّم وتنقل أخبار البحرين ..

أضف تعليق