راصد

الإفلاس الفضائي

يقولون أن الإفلاس هو وصــف يتم إطلاقــه على حالة الشخص المديـن ( أو المؤسسة المدينة ) التي تعجز عن القيام بالتزاماتها تجاه الدائنين , فيُصار إلى إلقاء الحجز الفوري على أموالها لكي يُوزع ثمنها من بعد على الدائنين . ولكن يميز بعض رجال القانون والاقتصاد بين الإفلاس والإعسار ، فالإفلاس حالة قانونية يتم إعلانها أو شهرها بحكم قضائي . أما الإعسار فلا يعدو أن يكون عجز المديـن عن تسديد ديونه في سياق استحقاقها بحيث يضطر آخر الأمر إلى وقف أعماله وتصفيتها .
حاولت يوم أمس البحث عن أوصاف أو مفاهيم أو تشخيصات للفضيحة التي قرأها الجميع في صحافتنا المحلية بشيء من الذهول و( الحنق ) ، والتي جاء فيها أن هنالك حوالي (700) قناة فضائية عربية حاليا حوالي (80) في المئة من رأسمال تلك الفضائيات إنما هو من أموال خليجية خالصة !! فلم أجد أفضل من الإفلاس والإعسار وصفاً لها .
ويمكن للقراء الكرام أمام هذه المعلومة القاسية وضع مايشاؤون من علامات تعجب ليس لهذا العدد الكبير من الفضائيات والملْكية الخليجية لها إنما الاستنكار هو أنه بالرغم من هذه الثروات الخليجية المهدرة إلاّ أنها بقيت عاجزة عن نقل الصورة الحقيقية لواقع الخليج أو الدفاع عن مكتسباته أو الوقوف سدّاً منيعاً ضد الإساءات إليه في عالم يُسمى اليوم بعالم ( الميديا ) يعتمد عليها في اتخاذ قراراته ورسم سياساته وخططه وتجيير مواقفه ، بل هي وسيلة ذات مضاء من وسائل الحرب والدفاع عن الأوطان تسعى غالب الدول إلى توظيفها بما يخدم مواقفها وتوجهاتها والذود عن حياضها وتعريف العالم بها .
هل يمكن أن نتصوّر أن المال الخليجي يملك ما يقارب الـ (700) قناة فضائية ، ومع ذلك نستجدي العالم أن ينصفنا ونتسوّل منه أن يقف معنا ؟! لاشك أنها مصيبة لولا أننا بالفعل نعيش حالة إعسار – ماقبل الإفلاس – وعدم القدرة على تسديد الاستحقاقات التي تتطلبها أوطاننا وشعوبنا من هذه الأموال التي صارت مجالاً رحباً للإفساد والاستخدام فيما يُرضي الشهوات والنزوات وأن غالب هذه القنوات السبعمائة ( بأموال خليجية ) قائمة على الردح والرقص و (الهشّك بشّك) وترويج ثقافات لاعلاقة لها بقيمنا وعاداتنا ، وتسويق أن دولنا غائبة أو مغيّبة بمحض إرادتنا وخالص أموالنا عن حراك الآلات و( المكائن ) الإعلامية ، وأنها عند الحاجة لدور الإعلام عليها أن تطرق الأبواب وتتسوّل من هنا وهناك بينما هي لديها ما يكفيها – ربما – لغزو كل ( ميديا ) العالم .
سانحة :
قديما ، قال الشاعر :
نعيب زماننا والعيب فينا ومال زماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعض عيانا

أضف تعليق