راصد

المهازيل

يُحكى أن رجلاً ألِف كثرة الكلام و( الثرثرة ) عن المباديء والقيم والثوابت ، حديثه لايكاد يخلو من أخلاقيات المواطنة الصالحة والطهارة والنظافة ، حتى أنه يُخيّل لمن يسمع له أن تلك الصفات قد تجمعّت فيه ! كان لا يتكلّم في بيته أمام زوجته وأبنائه إلا عن الشرف والأمانة والعفة وما شابهها من المثاليات التي يُصرّ في كلامه على ضرورة أن تتحلّى بها أسرته وأبنائه ، غير أن هذا الرجل نفسه ينسحب من بيته عندما يُسدل الليل ستاره فينضم إلى شلّة المهازيل في المراقص والمواخير والخمّارات ( أجلّكم الله ) يذبح خلالها شعاراته والأخلاقيات التي يُنادي بها داخل أسرته ، بين زوجته وأبنائه !

ظلّ هذا الرجل على هذا النحو ، أمين وشريف في النهار داخل بيته  لكنه خمّار زمّار في جنح الليل الذي يقضيه مع العاهرات والشواذ ! حتى إذا ما كبُر أبنائه ودبّت الشكوك والمخاوف لديه من أن يصبحوا مثله ويسلكوا نفس دروب انحرافه التي ظنّ ألاّ أحد يعرفها ؛ جمعهم ذات يوم على ميثاق للشرف يلتزموا خلاله بالنظافة والطهارة والأمانة ، والصدق في الأقوال والأفعال ، ووحدة تصرفاتهم ومبادئهم في النهار كما في الليل ، في السر والعلن ، داخل البيت كما في خارجه . وظنّ بذلك أنه قد حمى أبناءه مما هو غارق فيه ناسياً أن الأخلاق الفاضلة لا تتأتى إلاّ بالقدوات والنماذج الصادقة الأمينة وليست من خلال الإدعاء أوالممارسات المصطنعة أو المسرحيات المتكلفة .

ثم تدور الأيام ويشاء المولى عزّ وجل ، الستّار العليم بالسرائر والخفايا ، الخبير بالخواطر ،  البصير بالضمائر ، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أن يكشف ستر هذا الرجل ويفضح أمره بعد أن أمهله للتوبة والعودة الصادقة والتطبيق الأمين لمبادئه ومثالياته التي ينادي بها ويظهرها أمام الناس خلافاً لما يسرّه في نفسه  ؛ فيتفاجأ في إحدى الحانات والبارات التي يتردد عليها بابنته في أوضاع مخلّة ومخجلة ومزرية مع شلّته نفسها ، شلّة الأنس الفاسدة ، شلّة شرفاء النهار ومهازيل الليل . وأمام غضبه وثورته على ابنته تسمّرت عيناه ورُبِط على لسانه حينما قالت له : يا أبي .. إن فاقد الشيء لا يعطيه !!!

سانحة :

لايجوز للسارق نصيحة الآخرين بطهارة اليد ، ولايحق للمدمن مطالبة الآخرين بعدم معاقرة الخمر أو المخدرات ، ولا ينبغي للكذاب التنطع بالصدق والقيم و الأخلاق ، ولا يليق بالشخص أن تختلف مواقفه عن ثوابته ومبادئه التي مافتأ ينادي بها ويكتب عنها ويدعو لها .. للأسف ما أكثر المهازيل الذين تنطبق عليهم مقولة : فاقد الشيء لايعطيه .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s