راصد

البوصلة الوطنية

منذ اللحظات الأولى للإعلان مؤخرا عن الحوار الجديد؛ نشأ حراك سياسي أو اجتماعي جديد وغريب في ذات اللحظة، تفجر خلاله كم كبير – ربما غير مسبوق – من الأقاويل والتوقعات التي هي في غالبها تبقى في خانة الشائعات طالما ظلت مصادرها مجهولة أو نكرة لولا أن مجتمعنا اعتاد على السماع أكثر من البحث والتحري. وأسهمت مختلف وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة وتيرة تناقل تلك الشائعات مثلما زادت من حالة التوتر إزاء المخرجات المتوقعة من هذا الحوار الجديد.
ولم يكن خافيا على أي مراقب أن المكون الرئيس في المجتمع وهم أهل السنة والجماعة قد انتابه شيء قد يصل إلى درجة الفزع جراء تناقل إشاعات عن تسويات وصفقات جرت على حسابه أو تضر مكتسباته بالرغم من التطمينات التي خرجت من الدواوين عن مقاصد الحوار الجديد وتوجهاته ونفي وجود أي اتفاقات وصفقات مسبقة. وهو خوف مشروع – على الأقل – في ظل حالة الضعف والتشرذم والتشظي التي يعيشها هذا المكون الرئيس.

وأمام هذا الحراك الجديد؛ كان لافتا حركة التصريحات والبيانات (المرتبكة) من جمعيات الفاتح – مع تقديري لها – التي أعتقد أنها باتت في حاجة ماسة إلى أن تتروى أكثر قبل عزمها إصدار أي بيان وأن تراجع بياناتها ومواقفها السابقة، سواء تلك التي أصدرتها قبل عام أو شهر أو حتى يوم واحد حيث يجب عليها تحمل مسؤوليتها أمام (ناسها) التي باتت تتابع وتفهم أكثر من السابق وأنها من الصعب أن تنسى بيانات وتصريحات ماضية من دون أن تجد من يقنعها بها، وأن التناقض أو التحول أو التغير قد يضعف المواقف في ظل وجود ذاكرة ينبغي عدم الاستهانة بها.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن هذا الحراك الجديد قد استغله البعض في إعادة إظهار نفسه وإبرازها كناشط اجتماعي أو سياسي أو إعلامي أو ما شابه ذلك من صفات بطولة ومظاهر (وطنية) زائدة لم يعد خافيا دوافعها خاصة ما يتعلق منها بشؤون الانتخابات أو (الحصالات) وأصبحت مهاترات هذا البعض ومزايداته وشذوذه محل اشمئزاز و(قرف).

على أن أسوأ ما قرأته في هذه الأيام أن ينبري أحد الناس ليكتب و(يتفلسف) علينا عن البوصلة الوطنية فيشرحها بأن المقصود بها هو التوجه الأقوى الذي يسود في البلاد ويشعر الجميع بأنهم جزء من شعب واحد، ولهم مصير مشترك بغض النظر عن الاختلاف الطبيعي حول القضايا السياسية «ويضيف» وهذا الوعي ينبع من وجدان مشترك يتخطى أي خطاب تفريقي ينطلق من كلمات مثل «نحن» و«هم» ثم يضيف أيضاً «ولكن ما يؤسف له أن الذين يغلبون الانتماءات الفئوية أصبحت لهم سوق رائجة» وبدون شك فإن هذا التعريف للبوصلة الوطنية تعريف راق وحضاري ومثالي لكن ينقصه أو يفسده أن يكون مصدره وصاحبه وكاتبه هو أحد الذين تخصصوا في تقسيم الشعب إلى شعب أصلي وغير أصلي وما فتئ يردد الفرق بين (العرب) و(الهوله) في صورة لا تختلف عن كلمات مثل «نحن» و«هم» التي يرفضها ويطالب بمحوها الآن من البوصلة الوطنية.. قديما قيل «فاقد الشيء لا يعطيه».

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s